فصل: التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: [أَرْفَعُ مَقَامَاتِ التَّوْبَةِ]:

وَفَوْقَ هَذَا مَقَامٌ آخَرُ مِنَ التَّوْبَةِ، أَرْفَعُ مِنْهُ وَأَخَصُّ، لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ الْمُحِبُّونَ، الَّذِينَ يَسْتَقِلُّونَ فِي حَقِّ مَحْبُوبِهِمْ جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، فَلَا يَرَوْنَهَا قَطُّ إِلَّا بِعَيْنِ النَّقْصِ وَالْإِزْرَاءِ عَلَيْهَا، وَيَرَوْنَ شَأْنَ مَحْبُوبِهِمْ أَعْظَمَ، وَقَدْرَهُ أَعْلَى مِنْ أَنْ يَرْضَوْا نُفُوسَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ لَهُ، فَهُمْ أَشَدُّ شَيْءٍ احْتِقَارًا لَهَا، وَإِزْرَاءً عَلَيْهَا، وَإِذَا غَفَلُوا عَنْ مُرَادِ مَحْبُوبِهِمْ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُوَفُّوهُ حَقَّهُ، تَابُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ تَوْبَةَ أَرْبَابِ الْكَبَائِرِ مِنْهَا، فَالتَّوْبَةُ لَا تُفَارِقُهُمْ أَبَدًا، وَتَوْبَتُهُمْ لَوْنٌ وَتَوْبَةُ غَيْرِهِمْ لَوْنٌ {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} وَكُلَّمَا ازْدَادُوا حُبًّا لَهُ ازْدَادُوا مَعْرِفَةً بِحَقِّهِ، وَشُهُودًا لِتَقْصِيرِهِمْ، فَعَظُمَتْ لِذَلِكَ تَوْبَتُهُمْ، وَلِذَلِكَ كَانَ خَوْفُهُمْ أَشَدَّ، وَإِزْرَاؤُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمَ، وَمَا يَتُوبُ مِنْهُ هَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُ مِنْ كِبَارِ حَسَنَاتِ غَيْرِهِمْ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَتَوْبَةُ الْمُحِبِّينَ الصَّادِقِينَ الْعَارِفِينَ بِرَبِّهِمْ وَبِحَقِّهِ هِيَ التَّوْبَةُ، وَسِوَاهُمْ مَحْجُوبٌ عَنْهَا، وَفَوْقَ هَذِهِ تَوْبَةٌ أُخْرَى، الْأَوْلَى بِنَا الْإِضْرَابُ عَنْهَا صَفْحًا.

.فَصْلٌ: [ما يتم به مقام التوبة]:

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: وَلَا يَتِمُّ مَقَامُ التَّوْبَةِ إِلَّا بِالِانْتِهَاءِ إِلَى التَّوْبَةِ مِمَّا دُونَ الْحَقِّ، ثُمَّ رُؤْيَةُ عِلَّةِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ التَّوْبَةُ مِنْ رُؤْيَةِ تِلْكَ الْعِلَّةِ.
التَّوْبَةُ مِمَّا دُونَ اللَّهِ مَعْنَاهَا أَنْ يَخْرُجَ الْعَبْدُ بِقَلْبِهِ عَنْ إِرَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بِأَمْرِهِ وَبِاسْتِعَانَتِهِ، فَيَكُونَ كُلُّهُ لَهُ وَبِهِ.
وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَصِحُّ إِلَّا لِمَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ سُلْطَانُ الْمَحَبَّةِ، فَامْتَلَأَ قَلْبُهُ مِنَ اللَّهِ مَحَبَّةً لَهُ وَإِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا، وَذُلًّا وَخُضُوعًا وَانْكِسَارًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَافْتِقَارًا إِلَيْهِ.
فَإِذَا صَحَّ لَهُ ذَلِكَ بَقِيَتْ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ بَقِيَّةٌ أُخْرَى، هِيَ عِلَّةٌ فِي تَوْبَتِهِ، وَهِيَ شُعُورُهُ بِهَا، وَرُؤْيَتُهُ لَهَا، وَعَدَمُ فَنَائِهِ عَنْهَا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَامِهِ وَحَالِهِ ذَنْبٌ، فَيَتُوبُ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ.
فَهَاهُنَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: تَوْبَتُهُ مِمَّا سِوَى اللَّهِ، وَرُؤْيَتِهِ هَذِهِ التَّوْبَةَ، وَهِيَ عِلَّتُهَا، وَتَوْبَتُهُ مِنْ رُؤْيَةِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْقَوْمِ الْغَايَةُ الَّتِي لَا شَيْءَ بَعْدَهَا، وَالنِّهَايَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا لِخَاصَّةِ الْخَاصَّةِ، وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ رُؤْيَةَ الْعَبْدِ فِعْلَهُ، وَاحْتِجَابَهُ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، وَمُشَاهَدَتَهُ لَهُ عِلَّةٌ فِي طَرِيقِهِ مُوجِبَةٌ لِلتَّوْبَةِ.
وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ لَهُ وَاقِعًا بِمِنَّةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ، وَحَوْلِهِ وَقَوَّتِهِ وَإِعَانَتِهِ فَهَذَا أَكْمَلُ مِنْ غَيْبَتِهِ عَنْهُ، وَهُوَ أَكْمَلُ مِنَ الْمَقَامِ الَّذِي يُشِيرُونَ إِلَيْهِ، وَأَتَمُّ عُبُودِيَّةً، وَأَدْعَى لِلْمَحَبَّةِ وَشُهُودِ الْمِنَّةِ، إِذْ يَسْتَحِيلُ شُهُودُ الْمِنَّةِ عَلَى شَيْءٍ لَا شُعُورَ لِلشَّاهِدِ بِهِ الْبَتَّةَ.
وَالَّذِي سَاقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ سُلُوكُ وَادِي الْفَنَاءِ فِي الشُّهُودِ، فَلَا يَشْهَدُ مَعَ الْحَقِّ سَبَبًا، وَلَا وَسِيلَةً وَلَا رَسْمًا الْبَتَّةَ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ ذَوْقَ هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنَّ السَّالِكَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَيَجِدُ لَهُ حَلَاوَةً وَوَجْدًا وَلَذَّةً لَا يَجِدُهَا لِغَيْرِهِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ أَرْبَابُهُ وَالْمُشَمِّرُونَ إِلَيْهِ بِأَمْرٍ وَرَاءَهُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْكَمَالُ، وَهُوَ أَكْمَلُ مِنْ حَالِ مَنْ شَهِدَ أَفْعَالَهُ وَرَآهَا، وَرَأَى تَفَاصِيلَهَا مُشَاهِدًا لَهَا، صَادِرَةً عَنْهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَعُونَتِهِ، فَشَهِدَ عُبُودِيَّتَهُ مَعَ شُهُودِ مَعْبُودِهِ، فَكِلَاهُمَا نَقْصٌ، وَالْكَمَالُ: أَنْ تَشْهَدَ الْعُبُودِيَّةَ حَاصِلَةً بِمِنَّةِ الْمَعْبُودِ وَفَضْلِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَيَجْتَمِعَ لَكَ الشُّهُودَانِ، فَإِنْ غِبْتَ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ فَالْمَقَامُ مَقَامُ تَوْبَةٍ، وَهَلْ فِي الْغَيْبَةِ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ إِلَّا هَضْمٌ لَهَا؟.
وَالْوَاجِبُ: أَنْ يَقَعَ التَّحَاكُمُ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِلَى حَقَائِقِ الْإِيمَانِ دُونَ الذَّوْقِ، فَإِنَّنَا لَا نُنْكِرُ ذَوْقَ هَذِهِ الْحَالِ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ كَوْنَهَا أَكْمَلَ مِنْ غَيْرِهَا، فَأَيْنَ الْإِشَارَةُ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ فِي السُّنَّةِ، أَوْ فِي كَلَامِ سَادَاتِ الْعَارِفِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى هَذَا الْفَنَاءِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْكَمَالُ، وَأَنَّ رُؤْيَةَ الْعَبْدِ لِفِعْلِهِ بِاللَّهِ وَحَوْلِهِ وَفَضْلِهِ وَشُهُودَهُ لَهُ كَذَلِكَ عِلَّةٌ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهَا؟.
وَهَذَا الْقَدْرُ مِمَّا يَصْعُبُ إِنْكَارُهُ عَلَى الْقَوْمِ جِدًّا، وَيَرْمُونَ مُنْكِرَهُ بِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ مِنْ أَهْلِ الْفَرْقِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ، وَلَوْ وَصَلَ إِلَيْهِ لَمَا أَنْكَرَهُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ لِتَصْحِيحِ قَوْلِهِمْ، وَلَا جَوَابُ الْمُطَالَبَةِ، فَقَدْ سَأَلَكَ هَذَا الْمَحْجُوبُ عَنْ مَسْأَلَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ لَهَا.
وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّهُ يَرَاكُمْ مَحْجُوبِينَ عَنْ حَالٍ أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ، وَمَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْفَنَاءِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي شُهُودِ الْقَيُّومِيَّةِ، وَإِسْقَاطِ الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالْحِكَمِ وَالْوَسَائِطِ كَثِيرُ عِلْمٍ، وَلَا مَعْرِفَةٌ وَلَا عُبُودِيَّةٌ، وَهَلِ الْمَعْرِفَةُ كُلُّ الْمَعْرِفَةِ، وَالْعُبُودِيَّةُ إِلَّا شُهُودُ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ؟ وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ مَمْلُوءٌ مِنْ دُعَاءِ الْعِبَادِ إِلَى التَّفَكُّرِ فِي الْآيَاتِ، وَالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَنَظَرِ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِهِ، وَأَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ نَظَرُهُ فِيمَا قَدَّمَ لِغَدِهِ، وَمُطَالَعَتُهُ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ، وَتَذَكُّرُ ذَلِكَ وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ، وَحَمْدُ اللَّهِ وَشُكْرُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ مَعَ الْفَنَاءِ حَتَّى عَنْ رُؤْيَةِ الرُّؤْيَةِ، وَشُهُودِ الشُّهُودِ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ الْبَتَّةَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا جَعَلْتُمْ رُؤْيَتَهُ لِتَوْبَتِهِ عِلَّةً يَتُوبُ مِنْهَا، فَإِنَّ رُؤْيَتَهُ لِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ أَيْضًا عِلَّةٌ تُوجِبُ عَلَيْهِ تَوْبَةً، وَهَلُمَّ جَرَّا، فَلَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ إِلَّا بِسُقُوطِ التَّمْيِيزِ جُمْلَةً، وَالسُّكْرِ وَالطَّمْسِ الْمُنَافِي لِلْعُبُودِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ غَايَةً لِلْعُبُودِيَّةِ.
فَتَأَمَّلِ الْآنَ تَفَاصِيلَ عُبُودِيَّةِ الصَّلَاةِ، كَيْفَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِشُهُودِ فِعْلِكَ الَّذِي مَتَى غِبْتَ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي الْعُبُودِيَّةِ.
فَإِذَا قَالَ الْمُصَلِّي: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، فَعُبُودِيَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَشْهَدَ وَجْهَهُ، وَهُوَ قَصْدُهُ وَإِرَادَتُهُ، وَأَنْ يَشْهَدَ حَقِيقَتَهُ، وَهِيَ إِقْبَالُهُ عَلَى اللَّهِ.
ثُمَّ إِذَا قَالَ: إِنَّ صِلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَعُبُودِيَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَشْهَدَ الصَّلَاةَ وَالنُّسُكَ الْمُضَافَيْنِ إِلَيْهِ لِلَّهِ، وَلَوْ غَابَ عَنْهُمَا كَانَ قَدْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ بِلِسَانِهِ مَا هُوَ غَائِبٌ عَنِ اسْتِحْضَارِهِ بِقَلْبِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا أَكْمَلَ وَأَعْلَى مِنْ حَالِ مَنِ اسْتَحْضَرَ فِعْلَهُ وَعُبُودِيَّتَهُ، وَأَضَافَهُمَا إِلَى اللَّهِ، وَشَهِدَ مَعَ ذَلِكَ كَوْنَهُمَا بِهِ؟ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ حَالِ الْمُسْتَغْرِقِ الْفَانِي الْمُصْطَلِمِ، الَّذِي قَدْ غَابَ بِمَعْبُودِهِ عَنْ حَقِّهِ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُ وَغُيِّبَ عَنْهُ؟.
نَعَمْ غَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا، أَمَّا أَنْ يَكُونَ مَقَامُهُ أَعْلَى مَقَامٍ وَأَجَلَّهُ فَكَلَّا.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ فِي قِرَاءَتِهِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فَعُبُودِيَّةُ هَذَا الْقَوْلِ فَهْمُ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَاسْتِحْضَارُهُمَا، وَتَخْصِيصُهُمَا بِاللَّهِ، وَنَفْيُهُمَا عَنْ غَيْرِهِ، فَهَذَا أَكْمَلُ مِنْ قَوْلِ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ فِي رُكُوعِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسَلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي فَكَيْفَ يُؤَدِّي عُبُودِيَّةَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ غَائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ، مُسْتَغْرِقٌ فِي فَنَائِهِ؟ وَهَلْ يَبْقَى غَيْرُ أَصْوَاتٍ جَارِيَةٍ عَلَى لِسَانِهِ؟ وَلَوْلَا الْعُذْرُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ عُبُودِيَّةً.
نَعَمْ، رُؤْيَةُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَهَا، وَالِاحْتِجَابُ بِهَا عَنِ الْمُنْعِمِ بِهَا الْمُوَفِّقِ لَهَا، الْمَانِّ بِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْعِلَلِ الْقَوَاطِعِ، قَالَ تَعَالَى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فَالْعَارِفُ غَائِبٌ بِمِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي طَاعَتِهِ، مَعَ شُهُودِهَا وَرُؤْيَتِهَا، وَالْجَاهِلُ غَائِبٌ بِهَا عَنْ رُؤْيَةِ مِنَّةِ اللَّهِ، وَالْفَانِي غَائِبٌ بِاسْتِغْرَاقِهِ فِي الْفَنَاءِ وَشُهُودِ الْقَيُّومِيَّةِ عَنْ شُهُودِهَا، وَهُوَ نَاقِصٌ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدَرًا.

.فَصْلٌ: التَّوْبَةُ مِنَ الذَّنْبِ فَرْضٌ:

وَنَذْكُرُ نُبَذًا تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ التَّوْبَةِ، تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا، وَلَا يَلِيقُ بِالْعَبْدِ جَهْلُهَا.
مِنْهَا: أَنَّ الْمُبَادَرَةَ إِلَى التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ فَرْضٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، فَمَتَى أَخَّرَهَا عَصَى بِالتَّأْخِيرِ، فَإِذَا تَابَ مِنَ الذَّنْبِ بَقِيَ عَلَيْهِ تَوْبَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ تَوْبَتُهُ مِنْ تَأْخِيرِ التَّوْبَةِ، وَقَلَّ أَنْ تَخْطُرَ هَذِهِ بِبَالِ التَّائِبِ، بَلْ عِنْدَهُ أَنَّهُ إِذَا تَابَ مِنَ الذَّنْبِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْ تَأْخِيرِ التَّوْبَةِ، وَلَا يُنْجِي مِنْ هَذَا إِلَّا تَوْبَةٌ عَامَّةٌ، مِمَّا يَعْلَمُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ فِي عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا جَهْلُهُ إِذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ عَاصٍ بِتَرْكِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَالْمَعْصِيَةُ فِي حَقِّهِ أَشَدُّ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَيْفَ الْخَلَاصُ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ».
فَهَذَا طَلَبُ الِاسْتِغْفَارِ مِمَّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ أَنَّهُ ذَنْبٌ، وَلَا يَعْلَمُهُ الْعَبْدُ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو فِي صِلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَأِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ إِلَهِيٌّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».
فَهَذَا التَّعْمِيمُ وَهَذَا الشُّمُولُ لِتَأْتِيَ التَّوْبَةُ عَلَى مَا عَلِمَهُ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْهُ.

.التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ:

وَهَلْ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ؟
فِيهِ قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْخِلَافِ مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّتِهَا، كَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ، وَلَهَا غَوْرٌ، وَيَحْتَاجُ الْجَزْمُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِلَى دَلِيلٍ يَحْصُلُ بِهِ الْجَزْمُ، وَالَّذِينَ صَحَّحُوهَا احْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ الْإِسْلَامُ- وَهُوَ تَوْبَةٌ مِنَ الْكُفْرِ- مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، فَهَكَذَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى آخَرَ.
وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَهُ شَأْنٌ لَيْسَ لِغَيْرِهِ، لِقُوَّتِهِ وَنَفَاذِهِ، وَحُصُولِهِ- تَبَعًا بِإِسْلَامِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا- لِلطِّفْلِ، وَكَذَلِكَ بِانْقِطَاعِ نَسَبِ الطِّفْلِ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ بِمَوْتِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ بِكَوْنِ سَابِيهِ وَمَالِكِهِ مُسْلِمًا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِقُوَّتِهِ، وَتَشَوُّفِ الشَّرْعِ إِلَيْهِ، حَتَّى حَصَلَ بِغَيْرِ الْقَصْدِ بَلْ بِالتَّبَعِيَّةِ.
وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَيُّ رُجُوعٍ لِمَنْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ وَاحِدٍ، وَأَصَرَّ عَلَى أَلْفِ ذَنْبٍ؟.
قَالُوا: وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا لَمْ يُؤَاخِذِ التَّائِبَ، لِأَنَّهُ قَدْ رَجَعَ إِلَى طَاعَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ، وَتَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَالْمُصِرُّ عَلَى مِثْلِ مَا تَابَ مِنْهُ- أَوْ أَعْظَمَ- لَمْ يُرَاجِعِ الطَّاعَةَ وَلَمْ يَتُبْ تَوْبَةً نَصُوحًا.
قَالُوا: وَلِأَنَّ التَّائِبَ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّهِ، فَقَدْ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْعَاصِي كَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْكَافِرِ وَأَمَّا إِذَا أَصَرَّ عَلَى غَيْرِ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ فَاسْمُ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفَارِقُهُ، فَلَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ التَّوْبَةَ هَلْ تَتَبَعَّضُ، كَالْمَعْصِيَةِ، فَيَكُونُ تَائِبًا مَنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، كَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ؟
وَالرَّاجِحُ تَبَعُّضُهَا، فَإِنَّهَا كَمَا تَتَفَاضَلُ فِي كَيْفِيَّتِهَا كَذَلِكَ تَفَاضَلُ فِي كَمِّيَّتِهَا، وَلَوْ أَتَى الْعَبْدُ بِفَرْضٍ وَتَرَكَ فَرْضًا آخَرَ لَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى مَا تَرَكَهُ دُونَ مَا فَعَلَهُ، فَهَكَذَا إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ وَأَصَرَّ عَلَى آخَرَ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ مِنَ الذَّنْبَيْنِ، فَقَدْ أَدَّى أَحَدَ الْفَرْضَيْنِ وَتَرَكَ الْآخَرَ، فَلَا يَكُونُ مَا تَرَكَ مُوجِبًا لِبُطْلَانِ مَا فَعَلَ، كَمَنْ تَرَكَ الْحَجَّ وَأَتَى بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ.
وَالْآخَرُونَ يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ التَّوْبَةَ فِعْلٌ وَاحِدٌ، مَعْنَاهُ الْإِقْلَاعُ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ، وَالنَّدَمُ عَلَيْهِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ بِكَمَالِهَا لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً، إِذْ هِيَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ، فَالْإِتْيَانُ بِبَعْضِهَا وَتَرْكُ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا كَالْإِتْيَانِ بِبَعْضِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا، فَإِنَّ ارْتِبَاطَ أَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ أَشَدُّ مِنَ ارْتِبَاطِ الْعِبَادَاتِ الْمُتَنَوِّعَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ يَقُولُونَ: كُلُّ ذَنْبٍ لَهُ تَوْبَةٌ تَخُصُّهُ، وَهِيَ فَرْضٌ مِنْهُ، لَا تَتَعَلَّقُ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْآخَرِ، كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ أَحَدُ الذَّنْبَيْنِ بِالْآخَرِ.
وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ ذَنْبٍ، مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى آخَرَ مِنْ نَوْعِهِ، وَأَمَّا التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ، مَعَ مُبَاشَرَةِ آخَرَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وَلَا هُوَ مِنْ نَوْعِهِ فَتَصِحُّ، كَمَا إِذَا تَابَ مِنَ الرِّبَا، وَلَمْ يَتُبْ مَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مِنَ الرِّبَا صَحِيحَةٌ، وَأَمَّا إِذَا تَابَ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ تَابَ مِنْ تَنَاوُلِ الْحَشِيشَةِ وَأَصَرَّ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ بِالْعَكْسِ فَهَذَا لَا تَصِحُّ تَوْبَتَهُ، وَهُوَ كَمَنْ يَتُوبُ عَنِ الزِّنَا بِامْرَأَةٍ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الزِّنَا بِغَيْرِهَا غَيْرَ تَائِبٍ مِنْهَا، أَوْ تَابَ مِنْ شُرْبِ عَصِيرِ الْعِنَبِ الْمُسْكِرِ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى شُرْبِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ، فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَتُبْ مِنَ الذَّنْبِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ نَوْعٍ مِنْهُ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ، بِخِلَافِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَى مَعْصِيَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا فِي الْجِنْسِ، إِمَّا لِأَنَّ وِزْرَهَا أَخَفُّ، وَإِمَّا لِغَلَبَةِ دَوَاعِي الطَّبْعِ إِلَيْهَا، وَقَهْرِ سُلْطَانِ شَهْوَتِهَا لَهُ، وَإِمَّا لِأَنَّ أَسْبَابَهَا حَاضِرَةٌ لَدَيْهِ عَتِيدَةٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِدْعَائِهَا، بِخِلَافِ مَعْصِيَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِدْعَاءِ أَسْبَابِهَا، وَإِمَّا لِاسْتِحْوَاذِ قُرَنَائِهِ وَخُلَطَائِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَدَعُونَهُ يَتُوبُ مِنْهَا، وَلَهُ بَيْنَهُمْ حَظْوَةٌ بِهَا وَجَاهٌ، فَلَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ عَلَى إِفْسَادِ جَاهِهِ بِالتَّوْبَةِ، كَمَا قَالَ أَبُو نُوَاسٍ لِـ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ وَقَدْ لَامَهُ عَلَى تَهَتُّكِهِ فِي الْمَعَاصِي:
أَتُرَانِي يَا عَتَـــــاهِيُّ ** تَارِكًا تِلْكَ الْمَلَاهِــي

أَتُرَانِي مُفْسِـــدًا بِالنُّـ ** ـسْكِ عِنْدَ الْقَوْمِ جَاهِي

فَمِثْلُ هَذَا إِذَا تَابَ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ، وَسَرِقَةِ أَمْوَالِ الْمَعْصُومِينَ، وَأَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَلَمْ يَتُبْ مَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالْفَاحِشَةِ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ مِمَّا تَابَ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ، وَبَقِيَ مُؤَاخَذًا بِمَا هُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: [أَحْكَامُ التَّوْبَةِ]:

وَمِنْ أَحْكَامِ التَّوْبَةِ أَنَّهُ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ أَبَدًا، أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ؟
فَشَرَطَ بَعْضُ النَّاسِ عَدَمَ مُعَاوَدَةِ الذَّنْبِ، وَقَالَ: مَتَى عَادَ إِلَيْهِ تَبَيَّنَّا أَنَّ التَّوْبَةَ كَانَتْ بَاطِلَةً غَيْرَ صَحِيحَةٍ.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا صِحَّةُ التَّوْبَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنِ الذَّنْبِ، وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَالْعَزْمِ الْجَازِمِ عَلَى تَرْكِ مُعَاوَدَتِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ فَهَلْ يُشْتَرَطُ تَحَلُّلُهُ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ- سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فَإِذَا عَاوَدَهُ، مَعَ عَزْمِهِ حَالَ التَّوْبَةِ عَلَى أَنْ لَا يُعَاوِدَهُ، صَارَ كَمَنِ ابْتَدَأَ الْمَعْصِيَةَ، وَلَمْ تَبْطُلْ تَوْبَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ.
وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةُ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ عَاوَدَهُ، فَهَلْ يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُ الذَّنْبِ الَّذِي قَدْ تَابَ مِنْهُ ثُمَّ عَاوَدَهُ، بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ إِنْ مَاتَ مُصِرًّا؟ أَوْ إِنَّ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُهُ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ؟
وَفِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَانِ:
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُ الذَّنْبِ الْأَوَّلِ، لِفَسَادِ التَّوْبَةِ، وَبُطْلَانِهَا بِالْمُعَاوَدَةِ.
قَالُوا: لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الذَّنْبِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ هَدَمَ إِسْلَامُهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ إِثْمِ الْكُفْرِ وَتَوَابِعِهِ، فَإِذَا ارْتَدَّ عَادَ إِلَيْهِ الْإِثْمُ الْأَوَّلُ مَعَ إِثْمِ الرِّدَّةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ» فَهَذَا حَالُ مَنْ أَسْلَمَ وَأَسَاءَ فِي إِسْلَامِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّدَّةَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِسَاءَةِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِذَا أُخِذَ بَعْدَهَا بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَلَمْ يُسْقِطْهُ الْإِسْلَامُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَهُمَا، فَهَكَذَا التَّوْبَةُ الْمُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ الذَّنْبَيْنِ لَا تُسْقِطُ الْإِثْمَ السَّابِقَ، كَمَا لَا تَمْنَعُ الْإِثْمَ اللَّاحِقَ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ صِحَّةَ التَّوْبَةِ مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِمْرَارِهَا، وَالْمُوَافَاةِ عَلَيْهَا، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِمْرَارِهِ وَالْمُوَافَاةِ عَلَيْهِ.
قَالُوا: وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ وُجُوبًا مُضَيَّقًا مَدَى الْعُمْرِ، فَوَقْتُهَا مُدَّةُ الْعُمْرِ، إِذْ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا فِي مُدَّةِ عُمْرِهِ، فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُمْرِ كَالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ فِي صَوْمِ الْيَوْمِ، فَإِذَا أَمْسَكَ مُعْظَمَ النَّهَارِ، ثُمَّ نَقَضَ إِمْسَاكَهُ بِالْمُفْطِرَاتِ بَطَلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صِيَامِهِ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُمْسِكْ شَيْئًا مِنْ يَوْمِهِ.
قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا» وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ الثَّانِي كُفْرًا مُوجِبًا لِلْخُلُودِ، أَوْ مَعْصِيَةً مُوجِبَةً لِلدُّخُولِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ فَيَرْتَدُّ فَيُفَارِقُ الْإِسْلَامَ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِعَمَلٍ يُوجِبُ لَهُ النَّارَ، وَفِي بَعْضِ السُّنَنِ: إِنَّ الْعَبْدَ لِيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ جَارَ فِي وَصِيَّتِهِ فَدَخَلَ النَّارَ فَالْخَاتِمَةُ السَّيِّئَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ خَاتِمَةً بِكُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِحْبَاطُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْقُرْآنُ وَالسَّنَةُ قَدْ دَلَّا عَلَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ هِيَ الَّتِي تُحْبِطُ السَّيِّئَاتِ لَا الْعَكْسِ، كَمَا قَالَ: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
قِيلَ: وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ قَدْ دَلَّا عَلَى الْمُوَازَنَةِ، وَإِحْبَاطِ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ فَلَا يُضْرَبُ كِتَابُ اللَّهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَلَا يُرَدُّ الْقُرْآنُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوهُ- فِعْلَ أَهْلِ الْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ- بَلْ نَقْبَلُ الْحَقَّ مِمَّنْ قَالَهُ، وَنَرُدُّ الْبَاطِلَ عَلَى مَنْ قَالَهُ.
فَأَمَّا الْمُوَازَنَةُ: فَمَذْكُورَةٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْقَارِعَةِ، وَالْحَاقَّةِ وَأَمَّا الْإِحْبَاطُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} وَتَفْسِيرُ الْإِبْطَالِ هَاهُنَا بِالرِّدَّةِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْمُبْطِلَاتِ، لَا لِأَنَّ الْمُبْطِلَ يَنْحَصِرُ فِيهَا، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} فَهَذَانِ سَبَبَانِ عَرَضَا بَعْدُ لِلصَّدَقَةِ فَأَبْطَلَاهَا، شَبَّهَ سُبْحَانَهُ بُطْلَانَهَا- بِالْمَنِّ وَالْأَذَى- بِحَالِ الْمُتَصَدِّقِ رِيَاءً فِي بُطْلَانِ صَدَقَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، لِأُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ- وَقَدْ بَاعَ بَيْعَةَ الْعِينَةِ- أَخْبِرِي زَيْدًا: أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةٍ، فَقَالَ: يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَسْتَدِينُ وَيَتَزَوَّجُ، لَا يَقَعُ فِي مَحْظُورٍ فَيَحْبَطُ عَمَلُهُ.
فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ- أَنَّ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا يُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ بِالْإِجْمَاعِ وَمِنْهَا مَا يُحْبِطُهَا بِالنَّصِّ- جَازَ أَنْ تُحْبِطَ سَيِّئَةُ الْمُعَاوَدَةِ حَسَنَةَ التَّوْبَةِ، فَتَصِيرَ التَّوْبَةُ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، فَيَلْتَقِيَ الْعَمَلَانِ وَلَا حَاجِزَ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونَ التَّأْثِيرُ لَهُمَا جَمِيعًا.
قَالُوا: وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ، وَالسَّنَةُ، وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى الْمُوَازَنَةِ، وَفَائِدَتُهَا اعْتِبَارُ الرَّاجِحِ، فَيَكُونُ التَّأْثِيرُ وَالْعَمَلُ لَهُ دُونَ الْمَرْجُوحِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُحَاسَبُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمِيزَانَ يَخِفُّ بِمِثْقَالِ حَبَّةٍ أَوْ يَرْجَحُ، قَالَ: وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ.
وَعَلَى هَذَا: فَهَلْ يُحْبِطُ الرَّاجِحُ الْمَرْجُوحَ، حَتَّى يَجْعَلَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، أَوْ يُحْبِطُ مَا قَابَلَهُ بِالْمُوَازَنَةِ، وَيَبْقَى التَّأْثِيرُ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْقَائِلِينَ بِالْمُوَازَنَةِ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْحَسَنَاتُ أَرْجَحَ مِنَ السَّيِّئَاتِ بِوَاحِدَةٍ مَثَلًا، فَهَلْ يَدْفَعُ الرَّاجِحُ الْمَرْجُوحَ جُمْلَةً؟ فَيُثَابُ عَلَى الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا، أَوْ يُسْقَطُ مِنَ الْحَسَنَاتِ مَا قَابَلَ السَّيِّئَاتِ، فَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تِلْكَ السَّيِّئَاتِ، فَيَبْقَى الْقَدْرُ الزَّائِدُ لَا مُقَابِلَ لَهُ، فَيُثَابُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؟.
وَهَذَا الْأَصْلُ فِيهِ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِ الْمُوَازَنَةِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا رَجَحَتِ السَّيِّئَاتُ بِوَاحِدَةٍ، هَلْ يُدْخَلُ النَّارَ بِتِلْكَ الْوَاحِدَةِ الَّتِي سَلِمَتْ عَنْ مُقَابِلٍ، أَوْ بِكُلِّ السَّيِّئَاتِ الَّتِي رَجَحَتْ؟ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِ التَّعْلِيلِ وَالْحُكْمِ.
وَأَمَّا عَلَى أُصُولِ الْجَبْرِيَّةِ، نُفَاةِ التَّعْلِيلِ وَالْحُكْمِ وَالْأَسْبَابِ وَاقْتِضَائِهَا لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَالْأَمْرُ مَرْدُودٌ عِنْدَهُمْ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُدْرَى عِنْدَهُمْ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ، بَلْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُعَاقِبَ صَاحِبَ الْحَسَنَاتِ الرَّاجِحَةِ، وَيُثِيبَ صَاحِبَ السَّيِّئَاتِ الرَّاجِحَةِ، وَأَنْ يُدْخِلَ الرَّجُلَيْنِ النَّارَ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْعَمَلِ، وَأَحَدُهُمَا فِي الدَّرْكِ تَحْتَ الْآخَرِ، وَيَغْفِرُ لِزَيْدٍ وَيُعَاقِبُ عَمْرًا، مَعَ اسْتِوَائِهِمَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَيُنْعِمُ مَنْ لَمْ يُطِعْهُ قَطُّ، وَيُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَعْصِهِ قَطُّ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ سَبَبٌ وَلَا حِكْمَةٌ، وَلَا عِلَّةٌ، وَلَا مُوَازَنَةٌ، وَلَا إِحْبَاطٌ، وَلَا تَدَافُعٌ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَالْخَوْفُ عَلَى الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ وَاحِدٌ، إِذْ مِنَ الْجَائِزِ تَعْذِيبُهُمَا، وَكُلُّ مَقْدُورٍ لَهُ فَجَائِزٌ عَلَيْهِ، لَا يُعْلَمُ امْتِنَاعُهُ إِلَّا بِإِخْبَارِ الرَّسُولِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ، فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ لِمُطَابَقَةِ خَبَرِهِ لِعِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ وُقُوعِهِ.